التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفخ على النار

ما صاحب وفاة عبد الحسين عبد الرضا رحمه الله من شعارات تسامحية مثل " موتك وحدنا " و " سنة وشيعة نبجي عليك " وغيرها من التصريحات الإيجابية التي تحاول بث رسالة تؤكد على تجاوزنا للأزمة الطائفية، هي في الحقيقة تصريحات تعكس واقعًا خلاف ما تحاول إثباته. فعندما نقول " موتك وحدنا " بمعنى آخر نقول: " نحن متفرقون وموتك وحدنا ". وهذه الوحدة ليست إلا حالة عرضية مؤقتة غير قادرة على زعزعة الأسس الجوهرية للخلاف الطائفي المستشري في النفوس، والذي بدأ يعبر عن نفسه بكل أريحية وجرأة بعد الربيع العربي. ولو أمعنا النظر في بقية التصريحات سنلاحظ وبوضوح وجود مشكلة فعلية متسترة بين الكلمات: " سنة وشيعة نبجي عليك " و " جمعية العون المباشر (السنية) تبني مسجدًا باسم (الشيعي) عبد الحسين عبدالرضا ". وتكمن مشكلة هذه الشعارات في عدة مواضع:

أولًا: هذه التعبيرات - وما تعكسه من ثقافة مترسبة في اللا وعي - تصر على تقسيم الناس مذهبيًا؛ فأنت إما شيعي أو سني حتى لو كنت ترفض هذه الإنتماءات أو على الأقل ترفض أن تصنف وفقها، كما حدث مع دكتورة ابتهال الخطيب التي كررت علنيًا أكثر من مرة أنها لا تنتمي إلى مذهب، لكن الناس ووسائل الإعلام لا تنفك تصفها بالشيعية كونها تنحدر من أسرة شيعية. وعبد الحسين لم يطرح نفسه قط كشيعي بل لم يصرح يومًا أي تصريح مذهبي أو حتى ديني.

ثانيًا: حين يجتمع المذهبان بهذا الشكل في تعبير لا يخلو من التعجب والاستغراب، كأننا نضعهما في معادلة بحيث يشكل كل طرف منهما نقيض الآخر. وما أثار دهشتنا هو حالة الإعجاز اللامنطقي في ( اجتماع النقيضين ) الذي تحقق بوفاة عبدالحسين عبدالرضا، وكأن هذا الاجتماع لا يمكن أن يحدث في الحالات الاعتيادية.

ثالثًا: ماذا يعني " سنة وشيعة نبجي عليك "؟ أين الفخر في أن تحزن على شخص يخالفك في المذهب؟ وما العجيب في ذلك؟ وهل المشاعر أيضًا صارت تخضع لمثل هذه التصنيفات؟
طوال حياتي والشيعة يبكون لموت أصدقائهم السنة والسنة يبكون لموت أصدقائهم الشيعة، هذه حالة إنسانية اعتيادية طبيعية لم تثر استغرابنا يومًا، ولا تحتاج أن نرفع لافتات لنصرح بها.
رحيل عبد الحسين عبد الرضا هو رحيل رمز فني وثقافي وتاريخي في الكويت والخليج، هو رحيل يحمل بعدًا تراثيًا وإنسانيًا لا أكثر من ذلك. لكن لوجود مرض في نفوسنا حمّلناه بعدًا طائفيًا لا يحتمله. وما حصل لا يؤكد وجود أزمة طائفية وحسب، إنما يعزز ويرسخ مثل هذه الأفكار فينا وفي الجيل القادم بعدنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف نبدع أفكارًا مستحيلة في أدب الطفل؟

  يسأل الكثير عن آليات كتابة أدب الطفل، والسؤال الأهم دائمًا: ما هي الأفكار المناسبة لنكتب عنها قصصًا وننشرها؟ الموضوع في غاية السهولة؛ إذا كان لديك أطفال في المنزل، أبناؤك أو أبناء أحد أقربائك، لاحظ تصرفاتهم باستمرار، ركز على سلوكياتهم السلبية؛ لا يغسل أسنانه، لا يطيع والديه، يفتعل الفتنة مع بقية الأطفال.. إلخ. فكر بعد ذلك في كيفية كتابة قصة لمعالجة هذا السلوك. اجمع هذه الأفكار كلها..   ولا تكتب أي شيء منها. دائمًا ما بدا لي أن النص بمجرد انزلاقه إلى الحالة التوجيهية للقارئ، يفقد كامل أدبيته. وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنني أطالب بتفريغ الأدب من الرسائل والقيم الإنسانية، لكنه لا يعني أيضًا أننا من أجل صناعة أدب رسالي هادف نحول النصوص إلى نصوص وعظية.  لا أذكر أين قرأت مرة أنه "ليس من وظيفة الأدب تقديم الإجابات، إنما فتح أبواب الأسئلة والتأملات". وهذا يصدق أيضًا على أدب الطفل، ومن المتوقع أن يكون الكاتب مدركًا لهذا المبدأ الأساسي الذي يشكل روح الأدب. إذن أين المشكلة؟ لماذا ينحو العديد من كُتاب أدب الطفل لأسلوب يسعى لفرض فكرة، أو تقويم سلوك من خلال بناء نصوص مغلقة تتجه...

من الكراهية .. إلى الكراهية

(قراءة في واقع الكراهية في المجتمع الكويتي تطبيقًا على دراسة د. نادر كاظم في كتابه "لماذا نكره") صدر منذ فترة قريبة لدكتور نادر كاظم كتاب بعنوان " لماذا نكره؟، أو كراهيات منفلتة مرة أخرى " عن دار سؤال. ولا يخفى أن مشكلة الكراهية التي يتطرق لها الكتاب مشكلة عسيرة ومعقدة تمتد جذورها في العديد من العلوم والتخصصات كعلم التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة وغيرها. إلا أن ورود لفظة " مرة أخرى " في العنوان الفرعي للكتاب، لفت انتباهي إلى أهمية البعد التاريخي للمشكلة. يقول الفيلسوف الألماني دلتاي: " ليس من خلال الاستبطان بل من خلال التاريخ وحده يتأتى لنا أن نفهم أنفسنا " إن مشكلة فهم الإنسان هي مشكلة استعادة ذلك الوعي بـ " تاريخية " وجودنا الخاص والذي ضاع بالمقولات السكونية للعلم. إننا نخبر الحياة لا في المقولات السببية بل في لحظات فريدة معقدة من " المعنى ". وهذه الوحدات من المعنى تتطلب سياقًا يضم الماضي ويضم أفق التوقعات المستقبلية؛ إنها زمانية في صميمها ومتناهية، ولا يتم فهمها إلا في ضوء هذه الأبعاد، أي لا يت...

سعود السنعوسي يحلق بأجنحة " حمام الدار "

أولًا وقبل كل شيء، أظن أنه على الراغب بكتابة مراجعة لرواية من مثل هذا النوع أن يكون حذرًا جدًا، ومن الأفضل أن يتحاشى نشر أي جهد تأويلي على الأقل في السنة الأولى من صدور الرواية. حيث أن هذه الرواية / الأحجية بنيت بشكل أساسي على تقنية الإضمار والكشف التدريجي للأفكار والأحداث والتلاعب بنفسية القارئ صفحة بعد صفحة، وأي تسريب لحدث أو معلومة قبل أوانها ستهدم على القارئ لذة هذا الكشف. وأي نشر لقراءة تأويلية قد يتدخل في توجيه تلقي القارئ للمعنى الذي بلغه كاتب المراجعة أو القراءة النقدية والتضييق من مساحة المعنى الأصلي للنص خصوصًا وأن النص كتب برمزيات عميقة ومرنة. ثانيًا، رواية " حمام الدار " تحتاج لقراءتين وثلاث وعشر .. وبعد،، يقول أمبرتو إيكو: " الكتًاب نوعان؛ كاتب يكتب لقارئ موجود، وكاتب يصنع قارءه الخاص ". وربما أكون متجاسرًا في فرض هذا القيد على الكاتب لكنني أظن أن سعود السنعوسي في رواية " حمام الدار " شرع فعليًا في صناعة قارئه الخاص. قارئ نموذجي صبور يتتبع أدوات الكاتب المستخدمة لبناء الفكرة والمعنى، لا يخوض النص محملًا بأي تصور مسبق حتى ولو ...