التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف نبدع أفكارًا مستحيلة في أدب الطفل؟

 يسأل الكثير عن آليات كتابة أدب الطفل، والسؤال الأهم دائمًا: ما هي الأفكار المناسبة لنكتب عنها قصصًا وننشرها؟ الموضوع في غاية السهولة؛ إذا كان لديك أطفال في المنزل، أبناؤك أو أبناء أحد أقربائك، لاحظ تصرفاتهم باستمرار، ركز على سلوكياتهم السلبية؛ لا يغسل أسنانه، لا يطيع والديه، يفتعل الفتنة مع بقية الأطفال.. إلخ. فكر بعد ذلك في كيفية كتابة قصة لمعالجة هذا السلوك. اجمع هذه الأفكار كلها.. 


ولا تكتب أي شيء منها.


دائمًا ما بدا لي أن النص بمجرد انزلاقه إلى الحالة التوجيهية للقارئ، يفقد كامل أدبيته. وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنني أطالب بتفريغ الأدب من الرسائل والقيم الإنسانية، لكنه لا يعني أيضًا أننا من أجل صناعة أدب رسالي هادف نحول النصوص إلى نصوص وعظية. 


لا أذكر أين قرأت مرة أنه "ليس من وظيفة الأدب تقديم الإجابات، إنما فتح أبواب الأسئلة والتأملات". وهذا يصدق أيضًا على أدب الطفل، ومن المتوقع أن يكون الكاتب مدركًا لهذا المبدأ الأساسي الذي يشكل روح الأدب. إذن أين المشكلة؟ لماذا ينحو العديد من كُتاب أدب الطفل لأسلوب يسعى لفرض فكرة، أو تقويم سلوك من خلال بناء نصوص مغلقة تتجه نهاياتها إلى إجابة واحدة حتمية تقول: أنا الصواب وما سواي خطأ؟


في العديد من اللقاءات والمقابلات السابقة كنت أُرجِع تدني مستوى أدب الطفل إلى فكرة استصغار الكُتاب لقدرات التلقي لدى الطفل بصفته قارئًا مبتدئًا. لكن بعد تأملي مؤخرًا في العديد من النصوص والقصص، أدركت أن أصل المشكلة متجذر في منطقة أعقد وأعمق من هذه، إذ يبدو أن الخلل يبدأ من الأفكار التي على أساسها تُبنى علاقة الكبار مع الصغار، وأعني (المنظومة التربوية). 


تقوم المنظومة التربوية التقليدية على أساس فكرة مفادها أن الكبار –أو الوالدين تحديدًا– يدركون ما هو صحيح وما هو خطأ، ويعرفون -يقينًا- ما يجب القيام به وما يجب تركه، وأن الطفل عاجز عن معرفة هذه الأمور، لذلك فإن من واجب الوالدين التربوي إلزام الطفل بالأمور التي يرونها -يقينًا- الأنسب والأصح لمصلحته الشخصية. وتتفاوت أدوات أسلوب الإلزام التربوي هذا من الأشد عنفًا كضرب الطفل أو توبيخه بحدة، وإلقاء المحاضرات الطويلة والمملة، أو مقارنته ببقية الأطفال (المطيعين)، وصولًا إلى أهون الأساليب وأرقها ظاهريًّا، أن نقرأ له قصة تقول له: كن مطيعًا، افعل كذا، إن لم تفعل هذا فستلدغك الأفعى.. إلخ. 


لسنا هنا بصدد محاكمة هذه المنظومة، وإنما لفهم تأثيرها على الأدب الذي تسربت إليه. وأول إشكال نواجهه هو فكرة (الصحيح والخطأ) التي تُحدد بناءً على رأي الوالدين وحدهما، وهي فكرة تتطلب الحركة بين منطقتين قطعيتين متطرفتين؛ إما أبيض وإما أسود. وكما يقول ميلان كونديرا: "وفي (إما وإما) هذه، يكمن عجز تحمل النسبية الأساسية للأشياء الإنسانية". إن المنطقة التي ينبغي للأدب أن يتحرك فيها هي المنطقة الرمادية في الوجود الإنساني، عالم الاحتمالات، عالم الممكنات التي تُفجر أسئلة تتفجر منها أخرى وهكذا. والقراءة رحلة بحث عن الكنز، لذتها تكمن في المغامرة، وخريطتها دائمًا ناقصة، ولا قيمة للرحلة إذا كانت خالية من الوحوش. أما كُتاب هذا النوع من الأدب فيتهوهمون أنهم يمتلكون الكنز، ويعتقدون أنهم يساعدون القارئ من خلال وضعه على بُعد خطوتين من رجله، ولا يعون أنه في الحقيقة عندما يفتح الصندوق سيجده فارغًا.


الإشكال الثاني –وهو الأسوأ حسب رأيي– أن هؤلاء الكُتاب يكتبون همومهم ومشاكلهم ومعاناتهم كبالغين، ويوجهونها إلى الطفل محملةً برسالة مبطنة تتهمه بأن الخلل منه ويجب عليه معالجته، بدل أن يكتبوا له نصًّا يتحرك في العالم الذي يهمه ويخاطب وجدانه. لنفترض قصةً تحكي عن طفل مهمل وكسول لا يوضب أشياءه بعد الانتهاء منها، فظلت تتراكم وتتراكم حتى وصلت إلى السقف، وبعد ذلك صار الطفل يبحث عن أمه ولم يجدها وقد اختفت بين الألعاب، فقرر أن يجمعها ويعيد ترتيبها ووجد أمه وعاشت المدينة بسعادة وهناء. لو فككنا عناصر هذه القصة سنجدها تطرح مشكلة وهي: عدم الترتيب. سبب هذه المشكلة: الطفل. آثارها: ضرر يصيب الأسرة متمثلًا في فقدان الأم. الحل: أن يغير الطفل سلوكه.

 

س: ماذا سيستفيد الطفل من هذه القصة؟

ج: سيعرف أن هذا السلوك خاطئ وأنه سيضر الآخرين.

 

إذن لن يستفيد الطفل شيئًا، إنما سيستفيد الآخرون الذين نفترض أن الضرر سيقع عليهم. أما احتمال أن يغير الطفل سلوكه بسبب قصة وعظية فهذا أبعد حتى من الوهم.

 

لنتواضع قليلًا ونفكر بعقلية طفل يبلغ من العمر سبع سنوات؛ كل ما يريده ببساطة أن يلعب ويستمتع ويذهب للنوم. أما أزمة ترتيب الغرفة فلا تؤرق له حلمًا وهو نائم، هذه الأزمة ليست موجودة نهائيًّا في قاموس مشاكله وهمومه. إذن لماذا نكتب له قصة تطرح له فكرة لا تهمه وتقول له إنك سبب مشكلة تسبب ضررًا للآخرين؟ 


الإجابة تكمن في معادلة القوة والضعف. إنه سوء استخدام صريح للسلطة من قبل الكبار. هم وحدهم من يستطيع الكتابة والنشر، هم وحدهم من يستطيع شراء الكُتب -التي توافق أفكارهم وأمزجتهم- لأطفالهم، وهم وحدهم من يستغل كل هذه الأدوات لتطويع الطفل ومحاولة تشكيله وفق الصورة التي يتطلعون لها؛ طفل ناجح وفق معاييرهم، لطيف وفق معاييرهم، مهذب وفق معاييرهم. غير قانعين ولا مكتفين بالأساليب القمعية التي يمارسونها سلفًا في المنزل. وبذلك انتُزعت الديموقراطية من فعل الكتابة الذي يقوم عليها أساسًا. وسيترتب على هذا السلوك ضرر آخر؛ سيتحول الأدب من عالم يجد الطفل فيه نفسه ويعيش مغامراته ويجري مع شخصياته ويصارع وحوشه، إلى عالم لا يختلف عن المنزل، عالم أبوي يسن القوانين والقواعد الصارمة بأسلوب ذكي ومبطن. لكن من تجاربي العديدة مع القراءة للأطفال، فأنا متيقن من أن هذا التلاعب لا ينطلي عليهم، إذ يمتلك الأطفال حساسية عالية لأي صوت يتسلل إليهم من عالم الكبار وقوانينه.

 

شيء من الأمل

 

في الجهة الأخرى، وفي محاولة لموازنة الأمور في المعادلة سالفة الذكر، كتب بعض الكُتاب نصوصًا في أدب الطفل تنتصر لبراءة الطفولة، وسربوا من خلال حكاياهم رسائل للكبار علها تأخذ بأبصارهم إلى المناطق الرمادية. من هذه القصص قصة "ماذا يريد ياسر أن يقول؟"[1] وتحكي هذه القصة عن الصبي ياسر الذي يبكي على كل شيء وفي كل المواقف، إلى أن تأتي أمه في أحد الأيام وتلقي عليه محاضرة في محاولة لحثه على التعبير فحواها: "صرت كبيرًا، وسأساعدك لقول ما تريد دون أن تبكي". في اليوم التالي وجدته يبكي، وبعد محاولات عديدة لحثه على التعبير عما يريد، أجابها: "أريد أن أبكي!"، وفي النهاية انفجرت الأم بالبكاء، فما كان من طفلها إلا أن يعكس الموقف عليها ويقول: "أمي تعلمي أن تقولي ما تريدين، ومن دون أن تبكي".


العنوان الرائع للقصة يحيلنا إلى مبدأ مهم يجب أن يحكم علاقتنا بالأطفال: "ماذا يريد الطفل أن يقول؟". دعونا نسمع رأيه وأفكاره، ونفهم ما يدور في داخله من على لسانه وبصوته، دعوه يعبر عن نفسه وبالطريقة التي تريحه. وقد اختارت الكاتبة طريقة -تُعد متطرفة- للتعبيرعن الذات؛ البكاء، وهي الطريقة التي لطالما أزعجت الكبار وحاولوا تغييرها ومعالجتها عند الأطفال متجاهلين أنها حالة شعورية طبيعية لدى كل إنسان.


وفي قصة بعنوان "مستحيل"[2] تتحدت عن والدين تعبا من سلوكيات طفلهما ذي السنتين ونصف، إلى أن وجدا عرافة قادرة على حل كل المشاكل. طلبت منهما العرافة لائحة بالأمور التي يرغبون في تغييرها، فكتبا:


-         ألا يخاف في الليل

-         أن يأكل البروتينات

-         أن يستحم دون أن يحتج

-         أن ينام قيلولته

-         أن يذهب للحمام وحده


أعطتهما العرافة دواءً للطفل وأخبرتهما بأنه سيضبط كل هذه السلوكيات، في صباح اليوم التالي وجدا طفلهما وقد تحول إلى قط فصاحا: مستحيييييل!

 

وأنا هنا أصيح معهم: مستحيل! ما ترجون تحقيقه في أطفالكم من خلال قصص الأطفال الموجهة.. مستحيل.

 

----------


[1] منشورات دار الحدائق للكاتبة نبيهة محيدلي ورسوم حسان زهر الدين.

[2] منشورات دار المنى، الكاتبة الأرجنتينية إيسول، ترجمة نهى أبو عرقوب

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من الكراهية .. إلى الكراهية

(قراءة في واقع الكراهية في المجتمع الكويتي تطبيقًا على دراسة د. نادر كاظم في كتابه "لماذا نكره") صدر منذ فترة قريبة لدكتور نادر كاظم كتاب بعنوان " لماذا نكره؟، أو كراهيات منفلتة مرة أخرى " عن دار سؤال. ولا يخفى أن مشكلة الكراهية التي يتطرق لها الكتاب مشكلة عسيرة ومعقدة تمتد جذورها في العديد من العلوم والتخصصات كعلم التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة وغيرها. إلا أن ورود لفظة " مرة أخرى " في العنوان الفرعي للكتاب، لفت انتباهي إلى أهمية البعد التاريخي للمشكلة. يقول الفيلسوف الألماني دلتاي: " ليس من خلال الاستبطان بل من خلال التاريخ وحده يتأتى لنا أن نفهم أنفسنا " إن مشكلة فهم الإنسان هي مشكلة استعادة ذلك الوعي بـ " تاريخية " وجودنا الخاص والذي ضاع بالمقولات السكونية للعلم. إننا نخبر الحياة لا في المقولات السببية بل في لحظات فريدة معقدة من " المعنى ". وهذه الوحدات من المعنى تتطلب سياقًا يضم الماضي ويضم أفق التوقعات المستقبلية؛ إنها زمانية في صميمها ومتناهية، ولا يتم فهمها إلا في ضوء هذه الأبعاد، أي لا يت...

سعود السنعوسي يحلق بأجنحة " حمام الدار "

أولًا وقبل كل شيء، أظن أنه على الراغب بكتابة مراجعة لرواية من مثل هذا النوع أن يكون حذرًا جدًا، ومن الأفضل أن يتحاشى نشر أي جهد تأويلي على الأقل في السنة الأولى من صدور الرواية. حيث أن هذه الرواية / الأحجية بنيت بشكل أساسي على تقنية الإضمار والكشف التدريجي للأفكار والأحداث والتلاعب بنفسية القارئ صفحة بعد صفحة، وأي تسريب لحدث أو معلومة قبل أوانها ستهدم على القارئ لذة هذا الكشف. وأي نشر لقراءة تأويلية قد يتدخل في توجيه تلقي القارئ للمعنى الذي بلغه كاتب المراجعة أو القراءة النقدية والتضييق من مساحة المعنى الأصلي للنص خصوصًا وأن النص كتب برمزيات عميقة ومرنة. ثانيًا، رواية " حمام الدار " تحتاج لقراءتين وثلاث وعشر .. وبعد،، يقول أمبرتو إيكو: " الكتًاب نوعان؛ كاتب يكتب لقارئ موجود، وكاتب يصنع قارءه الخاص ". وربما أكون متجاسرًا في فرض هذا القيد على الكاتب لكنني أظن أن سعود السنعوسي في رواية " حمام الدار " شرع فعليًا في صناعة قارئه الخاص. قارئ نموذجي صبور يتتبع أدوات الكاتب المستخدمة لبناء الفكرة والمعنى، لا يخوض النص محملًا بأي تصور مسبق حتى ولو ...