التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغذامي في سجن النسق



بات من شبه المسلم به فكرة ذكورية اللغة العربية أو فحولتها، والأدلة في هذا كثيرة وقد تناولها بالتفصيل مجموعة من الباحثين والمختصين. ومسألة الذكورية والانحياز الجندري واحدة من عدة مسائل أخرى تؤرق اللغة وباحثيها إذ تعاني اللغة العربية حالة من الجمود والركود في مستنقع الثبات السلفي بسبب ارتباطها الصريح والمباشر بالمقدس. وهذا ما أدى إلى فشل العديد من محاولات تطوير اللغة وتحديثها وجعلها قادرة على مواكبة التغيرات الزمنية ومتطلبات العصر. لكن، وحتى على الرغم من كل هذا التعنت الأصولي، لا ينبغي على الباحث أن يتخلى عن الموضوعية العلمية في تناوله لأية إشكالية والسعي لحلها، بحجة تدمير النسق السائد ومواجهته أو سواها من الحجج.
في مقالة بعنوان "المرأة في سجن اللغة" نشرها الدكتور عبدالله الغذامي في موقع زهرة الخليج بتاريخ 4 أكتوبر 2018، يعالج فيها مسألة ذكورية اللغة وسيطرة النسق الفحولي عليها كتابيًا.
ويدعي الغذامي أن المرأة كونها كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، وحيث أن القراءة كانت حكرًا على الرجل وميزة يختص فيها، تم إلغاء وجود المرأة من اللغة المكتوبة وقال في ذلك: "وذاك علامة على تمكن النسق لدرجة أن تلغي المرأة وجودها المعنوي والعلاماتي". وقال في موضع آخر: " أن المرأة كانت خارج لغة الكتابة وحدودها المشافهة فحسب ... والرجل وحده يكتب ووحده يقرأ ولو شاء مخاطبة الأنثى فهو ينطقها ولا يكتبها ".
ويبني الغذامي ادعاءه هذا على جملة استهل فيها المقالة وهي "وأنت كنت قلت هذا"، حيث تحذف ياء التأنيث في صيغة المخاطب بالزمن الماضي ويستعاض عنها بالكسرة. وهذا الإشكال الأول الذي سقط فيه الغذامي إذا بنى رأيه كله على حالة واحدة فقط في اللغة وتجاهل جميع الحالات الأخرى التي تنافي حجته وتنقضها. فمثلًا.. في المخاطب بزمن المضارع يقال للأنثى: تقولين، تفعلين، تكتبين... إلخ، بينما يقال للذكر: تقول، تفعل، تكتب.. إلخ. وإذا كنا سنقيس كما قاس الغذامي سنقول أن حضور المرأة في اللغة المكتوبة أقوى من حضور الرجل إذ تفوقت عليه بحرفين. ونفس المسألة مع صيغة الأمر إذ تحظى المرأة بإضافة الياء بينما يحرم منها الرجل بل وقد تحذف سواكنه مثل أن نقول للأنثى: قولي. ونقول للذكر: قل. وفي الماضي الغائب تضاف للمرأة تاء التأنيث كقولنا جاءت، فعلت، قرأت.. إلخ. بينما يبقى الرجل بلا زيادة. لست هنا أحاول نفي الذكورية عن اللغة ولا شيء من هذا القبيل، إنما كل ما أطلبه هنا الحيادية والمنهجية في إقامة الدليل العلمي على أي دعوى نتبناها وعدم معالجة أي فكرة من منظور ضيق وقاصر. ورغم كثرة الأدلة على ذكورية اللغة، إلا أن حذف ياء التأنيث في صيغة المؤنث المخاطب بزمن الماضي، ليس دليلًا على غياب الأنثى من اللغة المكتوبة بتاتًا. وهنا ننتقل إلى الإشكال الآخر وهو أن حتى هذا الدليل الواحد مردود عليه بدليل مادي ينفيه، وهو ما ذكره الدكتور في مقالته قائلًا: " نجد باحثًا لغويًا مختصًا هو الدكتور عبد الرزاق الصاعدي الذي بحث ونبش في التراث، ليكتشف شواهد قديمة عن مرويات عربية تجيز كتابتها بالياء". لكن الغذامي يرفض هذا الرأي لا لشيء إلا لأنه حسب تعبيره " يحصر ما يقال ويكتب على ما فعله سلف ماتوا قبلنا بقرون ". غاضًا النظر عن أنه لمجرد ثبوت هذا الدليل تاريخيًا ستتزعزع حجته القائلة أن العرب لا يخاطبون المرأة كتابيًا بالياء وإنما يكسرونها، ولا علاقة للمسألة بسلف ولا خلف. وهنا قد يشكل علي أحدهم قائلًا: أنه حتى إذا وردت عن العرب قديمًا بالياء، إلا أن زوالها وغيابها بعد ذلك يدعم رأي الغذامي.
سأقول، ربما.. لكن لا ينبغي على الباحث أن ينطلق من أحكام مسبقة توجه بحثه في خط واحد وإلى نتيجة حتمية أُريدَ له أن يبلغها. وقد تكون هذه مشكلة دكتور عبدالله الغذامي الكبرى، فمن يتتبع كتاباته ابتداء من كتاب النقد الثقافي وصولًا إلى هذه المقالة سيجد أن فكرة النسق سيطرت عليه وتحولت إلى ما يشبه المنظار الذي لا يستطيع أن يرى القضايا إلى به، وهذا ما أدى به إلى أن يحمل هذه الفكرة – أعني النسق - فوق ما تحتمل، وحولها إلى ما يشبه النظرية الشمولية مخضعًا كل شيء لها. 
وعودة إلى الإشكالية الأخيرة، أجيب ببساطة: مسألة حذف الياء لا تحتمل إلصاقها بفكرة النسق الفحولي ولسنا بحاجة إلى تضخيم الفكرة وإجبارها على حمل هذا البعد الثقافي. لأننا لو التفتنا قليلًا سنجد أن في فعل الأمر للمذكر تحذف حروف العلة كحذفنا الياء في فعل صلِ والاستعاضة عنها بالكسرة، ولم نقل أن المرأة حين تأمر الرجل لا تحترمه وتكسره ووو ... وأود اقتباس ملاحظة ذكرها الكاتب والمترجم المغربي محمد آيت حنا في تغريدة بموقع تويتر يرد فيها على الدكتور عبدالله الغذامي في نفس المسألة، فحواها: " إن اخترت كتابة: أنتي جميلة. فكيف ستكتب: أنت (ي) الجميلة؟ ستضطر إلى حذف الياء لالتقاء ساكنين، والنتيجة: نص مبقع فيه أحيانًا أنتِ وأحيانًا أنتي ..
وهمٌ هو اعتقادنا في أننا ذوات فاعلة في اللغة، اللغة تتجاوزنا كأفراد وتطور نفسها بنفسها. هي من اختار في النهاية الانتصار لأنت على أنتي!"
ختامًا، اللغة ليست لعبة ولا لباسًا نستيقظ في الصباح ونقرر تغييره. وهذه ليست دعوة للجمود ولتقديس العلم وتصنيمه، إنما هي دعوة لاحترام علم بهذا الثقل والاشتغال على أدوات سليمة ومنهجية قويمة للتعامل معه. فتغيير قاعدة من قواعده وتبديلها لا يكون بمقال لا يتجاوز الصفحة الواحدة قائمًا على دليل واهٍ وحجة ركيكة. 










حسين المطوع


11 أكتوبر 2018


تعليقات

  1. TECHNOLOGY INTELLIGENCE AGENCY
    ❄TIA❄
    "technology difficulties made easy"


    ✴Have you been looking for a hacker to help you hack someone phone, email or social media accoun?📲📱📩💞
    ✴Have you been wanting to clear some criminal records from government agencies?🖥
    ✴Do you wish to make some extract cash by mining bit coin?
    ✴ Do you wish to change your credit score records?🔝
    ✴Do you want to clear some credit/debit cards debt?💳


    Then you should contact ❄TIA❄ now.


    ❄TIA❄ is an organization of explicit HACKERs, we give the best hacking service there ever is.


    We have TOP HACKERS all over the world ready to hack for you with a grauntee of good HACKING records.


    All our How HACKERS(⭐⭐⭐⭐⭐ HACKERS) are the top in the Hack forum HackerOne and will get the job before you can say Jack Robinson.


    Contacts:
    tech.int.dpt@gmail.com
    thehackgeeks@gmail.com
    WE LOOK FORWARD TO HACKING FOR YOU

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف نبدع أفكارًا مستحيلة في أدب الطفل؟

  يسأل الكثير عن آليات كتابة أدب الطفل، والسؤال الأهم دائمًا: ما هي الأفكار المناسبة لنكتب عنها قصصًا وننشرها؟ الموضوع في غاية السهولة؛ إذا كان لديك أطفال في المنزل، أبناؤك أو أبناء أحد أقربائك، لاحظ تصرفاتهم باستمرار، ركز على سلوكياتهم السلبية؛ لا يغسل أسنانه، لا يطيع والديه، يفتعل الفتنة مع بقية الأطفال.. إلخ. فكر بعد ذلك في كيفية كتابة قصة لمعالجة هذا السلوك. اجمع هذه الأفكار كلها..   ولا تكتب أي شيء منها. دائمًا ما بدا لي أن النص بمجرد انزلاقه إلى الحالة التوجيهية للقارئ، يفقد كامل أدبيته. وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنني أطالب بتفريغ الأدب من الرسائل والقيم الإنسانية، لكنه لا يعني أيضًا أننا من أجل صناعة أدب رسالي هادف نحول النصوص إلى نصوص وعظية.  لا أذكر أين قرأت مرة أنه "ليس من وظيفة الأدب تقديم الإجابات، إنما فتح أبواب الأسئلة والتأملات". وهذا يصدق أيضًا على أدب الطفل، ومن المتوقع أن يكون الكاتب مدركًا لهذا المبدأ الأساسي الذي يشكل روح الأدب. إذن أين المشكلة؟ لماذا ينحو العديد من كُتاب أدب الطفل لأسلوب يسعى لفرض فكرة، أو تقويم سلوك من خلال بناء نصوص مغلقة تتجه...

من الكراهية .. إلى الكراهية

(قراءة في واقع الكراهية في المجتمع الكويتي تطبيقًا على دراسة د. نادر كاظم في كتابه "لماذا نكره") صدر منذ فترة قريبة لدكتور نادر كاظم كتاب بعنوان " لماذا نكره؟، أو كراهيات منفلتة مرة أخرى " عن دار سؤال. ولا يخفى أن مشكلة الكراهية التي يتطرق لها الكتاب مشكلة عسيرة ومعقدة تمتد جذورها في العديد من العلوم والتخصصات كعلم التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة وغيرها. إلا أن ورود لفظة " مرة أخرى " في العنوان الفرعي للكتاب، لفت انتباهي إلى أهمية البعد التاريخي للمشكلة. يقول الفيلسوف الألماني دلتاي: " ليس من خلال الاستبطان بل من خلال التاريخ وحده يتأتى لنا أن نفهم أنفسنا " إن مشكلة فهم الإنسان هي مشكلة استعادة ذلك الوعي بـ " تاريخية " وجودنا الخاص والذي ضاع بالمقولات السكونية للعلم. إننا نخبر الحياة لا في المقولات السببية بل في لحظات فريدة معقدة من " المعنى ". وهذه الوحدات من المعنى تتطلب سياقًا يضم الماضي ويضم أفق التوقعات المستقبلية؛ إنها زمانية في صميمها ومتناهية، ولا يتم فهمها إلا في ضوء هذه الأبعاد، أي لا يت...

سعود السنعوسي يحلق بأجنحة " حمام الدار "

أولًا وقبل كل شيء، أظن أنه على الراغب بكتابة مراجعة لرواية من مثل هذا النوع أن يكون حذرًا جدًا، ومن الأفضل أن يتحاشى نشر أي جهد تأويلي على الأقل في السنة الأولى من صدور الرواية. حيث أن هذه الرواية / الأحجية بنيت بشكل أساسي على تقنية الإضمار والكشف التدريجي للأفكار والأحداث والتلاعب بنفسية القارئ صفحة بعد صفحة، وأي تسريب لحدث أو معلومة قبل أوانها ستهدم على القارئ لذة هذا الكشف. وأي نشر لقراءة تأويلية قد يتدخل في توجيه تلقي القارئ للمعنى الذي بلغه كاتب المراجعة أو القراءة النقدية والتضييق من مساحة المعنى الأصلي للنص خصوصًا وأن النص كتب برمزيات عميقة ومرنة. ثانيًا، رواية " حمام الدار " تحتاج لقراءتين وثلاث وعشر .. وبعد،، يقول أمبرتو إيكو: " الكتًاب نوعان؛ كاتب يكتب لقارئ موجود، وكاتب يصنع قارءه الخاص ". وربما أكون متجاسرًا في فرض هذا القيد على الكاتب لكنني أظن أن سعود السنعوسي في رواية " حمام الدار " شرع فعليًا في صناعة قارئه الخاص. قارئ نموذجي صبور يتتبع أدوات الكاتب المستخدمة لبناء الفكرة والمعنى، لا يخوض النص محملًا بأي تصور مسبق حتى ولو ...