من حق كل إنسان أن يقرأ بالطريقة التي تعجبه وللغايات التي يرتضيها؛ اقرأ للمتعة، لتضييع الوقت، للهروب من الواقع، اقرأ لأنك لا تجيد فعل أي شيء آخر، اقرأ لأنك تعتقد أن قيمتك بالحياة مرتبطة بالقراءة، اقرأ لتلفت انتباه قارئ من الجنس الآخر. لا أنا ولا غيري من حقه أن يسلبك هذا الحق. لو اشترى أحد سيارة باهظة الثمن وقرر أن يحولها إلى غرفة تخزين ملابس، أو سلة مهملات يرمي فيها قمامته أو حتى أن يحرقها.. أمواله وسيارته وهو حر في التصرف به كما شاء.
لكننا لو أردنا الحكم على السيارة من منطلق الغاية الوظيفية التي صنعت من أجلها والتي بناء عليها تحددت قيمتها، سنقول أن هذه السيارة - وفقًا لهذا الاستخدام - لم تؤد وظيفتها وربما ما عادت سيارة بعد ذلك.
تكمن قيمة القراءة في كونها أداة بناء معرفي.[1] وهذه الوظيفة المعرفية للقراءة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال ممارسة نقدية من قِبل القارئ تجاه النص تكون بمثابة المنخل الذي يصفي الأفكار وينقحها. بمقاربة استعارية، تقوم وظيفة المنخل (المصفاة) على ثنائية أساسية في بنيته وهي ثنائية القبول والرفض. فمن خلال حجم الفتحات الموجودة في قاعه، تمر فقط المواد الملائمة للمرور وتمنع المواد المخالفة لحجم الفتحات، ودون هذه الفتحات لن يكون للمنخل أي قيمة. انطلاقًا من هذه المقاربة سنقسم القراء لثلاثة أقسام[2]:
1- المنخل منزوع القاع: قارئ يقبل كل ما يقدمه له النص متجردًا من كل فعل نقدي.
وهذا هو القارئ المتقلب الذي ترى أفكاره في كل مرحلة تتشكل بناء على آخر كتاب قرأه محاكيًا المثل العربي "إذا الريح مالت مال حيث تميل". يقرأ كتابًا في الماركسية فيصبح ماركسيًا، بعدها بشهرين تراه صوفيًا فتكتشف أنه قرأ رواية "قواعد العشق الأربعون" وهكذا.
2- المنخل المسدودة فتحاته: قارئ لا يقبل إلا ما يلائمه من النص.
وهذا قارئ مقيد بأحكامه المسبقة وأيدولوجياته الراسخة. يستخدم الكتب ويلوي عنق أفكارها ويطوعها لتدعيم آرائه السابقة، وإن لم يستطع فعل ذلك يرفض الكتاب رفضًا قاسيًا. كأحد القراء الذي توصل إلى أن كل الفلسفات التي جاء بها فلاسفة اليونان - رغم اختلافاتها وتناقضاتها - كلها تثبت أن الحق مع مذهبه دون سواه من مذاهب الإسلام.
3- المنخل: قارئ يسائل النص ويحاور أفكاره، وهذا هو القارئ الناقد الذي يفكك النص ساعيًا لاستخلاص معانيه وتفكيك أنساقه.
قد يتبادر إلى ذهن القارئ لمجرد قراءته لفظ " ناقد" أنني أشير إلى الناقد الأدبي أو الناقد الأكاديمي الذي يدرس النصوص ويقيمها ويبحث عن مواطن الجمال والضعف فيها.. إلخ. لكنني في الحقيقة أعني بالنقد تلك الممارسة الفكرية التي يستطيع المرء من خلالها تحليل الأفكار المطروحة أمامه واتخاذ أحكام بشأنها. قد يحتج البعض بأن هذا الأمر صعب ومستعص على قارئ بسيط، فأنى له امتلاك كل هذه الأدوات والمقدرة؟
وهذه بالتحديد الغاية التي كتب المقال لأجلها.
إن أي علم وأي معرفة، بل أي مجال في الحياة لا تستطيع ممارسته ممارسة سليمة إلا من خلال التمكن من أساسياته ومعرفة أدواته الأولية؛ من الطبخ وغسيل الأواني إلى قيادة السيارة واستخدام الحاسب الآلي وصولًا إلى العلوم كالفيزياء والطب واللغة. والقراءة - باعتبارها أداة معرفة - لا تختلف ولا تقل أهمية عن ذلك، وفي استسهال التعامل معها بخس شنيع لحقها. ربما لن أكون قارئًا كعبد الفتاح كيليطو أو نعوم تشومسكي وجاك دريدا، لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وكل هؤلاء لم يولدوا قراء ومفكرين كما هم عليه الآن. إنها عملية بنائية وتطورية مستمرة تبدأ من فهم اللغة ودلالات ألفاظها وآليات اشتغالها وكيفية حملها للمعاني والأفكار.
وفي حين أنه من المفترض على القراءة أن تخلق وعيًا فكريًا يخرج القارئ من السائد والمألوف، صارت القراءة تخلق سائدًا آخر وتروج لأفكار يتم تداولها بطريقة القيم المجتمعية لجماعة ما. وذلك نتيجة لتعطيل الفعل النقدي في بيئة يفترض أنها تقوم أساسًا على هذا الفعل، فصارت الفكرة تنتشر ويروج لها دون أن تواجه أي صد أو مقاومة فكرية.
إشكال:
لو عدنا إلى التقسيمة السابقة لأنواع القراء قد نواجه إشكالًا مهما، هو في مسألة الأحكام المسبقة. لقد عبنا على القارئ الثاني قراءته للكتب استنادًا على الأيدولوجيا والأحكام المسبقة والتي شبهناها بالسد الذي يحجب الأفكار الجديدة من المرور. لكن أليست الأدوات التي يمتلكها القارئ الناقد هي بمثابة الأحكام المسبقة التي يعالج النص من خلالها؟ بمعنى أننا لو استخدمنا نفس المقاربة الاستعارية الأولى، سنقول أن فتحات المنخل هي قالب سابق ثابت يسمح لنوع معين من الأفكار فقط في المرور ويمنع سواه.
أولًا، حين نتحدث عن أدوات نحن لا نعني أداة واحدة نطبقها على كافة النصوص باختلاف أجناسها. فلقراءة الشعر أدوات مختلفة عن قراءة كتب الفلسفة والفكر، مختلفة عن قراءة الروايات والسرد. فصرامة المنطق في نقد الكتب الفلسفية ليست صالحة لتأويل الشعر وفهمه. وانفتاح الدلالة في ألفاظ النص الشعري وتوظيفها تأويليًا غير مناسب للتعامل مع الكتب النظرية والعلمية.. وهكذا. ثانيًا، إن الأدوات نفسها خاضعة لفكرة التطوير والتجديد، واللحظة التي تتجمد فيها الأداة النقدية وتقع في موقع الثابت والمقدس هي اللحظة التي يتراجع فيها القارئ من كونه قارئًا منفتحًا للنص إلى قارئ منغلق مقيد بأحكامه المسبقة. لذلك يعد وعي القارئ بأدواته واحدًا من أهم متطلبات الوعي.
رواية البطء[3]
تحضرني رواية "البطء" كنموذج من الأعمال الأدبية التي يستحيل أن تقرأها وتتركها ببساطة دون محاولة لتفكيك مفاهيمها وكشف معانيها، أي دون ممارسة نقدية. وذلك لأنها، رغم صغر حجمها، تورط القارئ في صراع شرس بين فكرتين أبدع المؤلف في حبكهما ضمن بنية سردية تعج بالحيل والمراوغات.
في رواية البطء، يوظف ميلان كونديرا راويًا مشاركًا لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يتدخل أيضًا في تحليلها وتفسيرها وإرجاعها إلى أصولها الفلسفية وكشف دوافعها السيكولوجية. ويستغل كونديرا كل هذه المساحة التي يمتلكها الراوي ليجر القارئ إلى حالة متطرفة من النوستالجيا، الحنين إلى الماضي، من خلال اشتغاله على قضية "البطء"، البطء بصفته سلوكًا إنسانيًا فقدته البشرية واستعاضت عنه بالسرعة المجنونة التي باتت شرطًا من شروط الوجود الإنساني في العصر الحالي.
يقول في الصفحة الثانية من روايته، بتساؤلات تغمرها الحسرة: " لم اختفت لذة البطء؟ آه، أين هم متسكعو الزمن الغابر؟ أين أبطال الأغاني الشعبية الكسالى، أولئك المتسكعون الذين يجرون أقدامهم بتثاقل من طاحونة إلى أخرى، وينامون في العراء؟ هل اختفوا باختفاء الدروب الريفية والواحات وفجاج الغابات وباختفاء الطبيعة؟ ثمة مثل تشيكي يحدد خمولهم الوديع بالاستعارة الآتية: إنهم يتأملون نوافذ الإله. ومن يتأمل نوافذ الإله لا يسأم، بل يكون دومًا سعيدًا. لقد تحول الخمول في عالمنا، إلى البطالة التي هي شيء آخر تمامًا، العاطل، خلافًا للخامل، محروم ومستاء، هو في بحث دائم عن الحركة التي يفتقدها"
في هذه الفقرة يدغدغ الراوي عاطفة القارئ ويجره إلى المنطقة النوستالجية التي يريد حصره فيها. وينطلق بعد ذلك بتكثيف أدواته لتضخيم هذه العاطفة؛ يستعين برواية رومانسية من القرن الثامن عشر، يستشهد بنظريات من الفلسفة اليونانية، يفرّع قصة إضافية في الحبكة عن مجموعة من المثقفين شغلهم الشاغل انتقاد سلوكيات العصر الحالي. ويستمر في ذلك إلى أن يصل إلى لحظة الذروة، اللحظة التي يعلن فيها بطله أنه " سيزرع فوضى عارمة .. " فيقف على الملأ ليلقي خطابه منتقدًا "بيرك" الشخصية التي يعتبرها النموذج الأبشع للإنسان في العصر الحديث.
في هذه اللحظة، اللحظة التي يغرق فيها القارئ بكامل وجدانه وفكره وينقاد منتشيًا لحالة الانتصار، تأتيه صفعة من شخصية هامشية لا أحد يعرفها؛ شاب من بين الحشود ينهض ويرد على خطاب البطل ردًا جارحًا يختمه بهذا القول: " ... تبدو نادمًا، سيدي العزيز، على تقدم الزمن. عد إذًا إلى الماضي، إلى القرن الثاني عشر، أتصبو إلى ذلك؟ هناك أيضًا سوف تحتج على الكاتدرائيات، معتبرًا إياها همجية حديثة! ليس لك إذًا إلا أن تعود أبعد من ذلك، كي تحيا مع القرود! حيث لا حداثة سوف تهددك. هناك سوف تكون في بيتك، في الجنة الطاهرة للقرود الآسيوية!"
بعد هذا الرد يتهاوى البطل وتتهاوى باقي شخصيات الرواية ونشهد حالة من الاضطراب والتزعزع تستمر حتى النهاية بعد أن تزعزعت الفكرة الأساسية التي قامت عليها وهي " الحنين إلى الماضي". وفي خضم هذه الحالة تتسرب محاولات مقاومة بسيطة سعيًا لإعادة بناء الفكرة الأولى وانتشالها من الهزيمة.
بوسط كل هذه المعمعة الفكرية، يقف القارئ مضطربًا؛ كيف أتعامل مع هذا النص؟ ما هو المعنى المتخفي وراءه؟ ما الذي إراده الكاتب من كل هذا؟
بتطبيق المقاربة التي ذكرت في بداية النص عن أنواع القراء سنجد ثلاث حالات للتعامل مع هذه الرواية:
1- القارئ الأول في الواقع لن تهمه إجابة هذه الأسئلة، سيقيّم الرواية ويعطيها نجمتان وتنتهي علاقته بها.
2- القارئ الثاني سيأخذ من الرواية الجانب الذي يدعم أفكاره القديمة وسيعزز به هذه الأفكار.
3- أما القارئ الثالث فهو الذي سيحاول أن يصقل رؤية جديدة في تعامله مع هذه القضية في ظل المعارف الإضافية التي استخلصها من النص. وحين نقول رؤية جديدة لا يعني ذلك بالضرورة أن يغير أفكاره تمامًا، لكنه لا بد أن يعيد مساءلتها بعد الجدل الفكري المفتوح الذي وضعته فيه الرواية.
ربما أعمال ميلان كونديرا تمثل نموذجًا متطرفًا نوعًا ما للأعمال الأدبية المحملة بقضايا فكرية وفلسفية. ولكن هذا لا يعني أن الروايات بطريقتها الكلاسيكية أو غيرها خالية من المعنى والفكر والمعرفة. لكنها في الواقع مبنية على مستويين، المستوى الأول يقدم القصة بما هي قصة، والمستوى الثاني الذي تختبأ فيه المعاني والأفكار. وهذا المستوى الأول بما يحققه من متعة وانخطاف للقارئ، هو الذي يوهم القارئ أحيانًا بأن النص أدى مبتغاه من خلال أثره العاطفي والشعوري، ويمنعه من الانتقال للمستوى الثاني من القراءة، المستوى الذي يتطلب من القارئ ممارسة نقدية يفعلها خلال تعامله مع النص. فالأفكار لا توجد على السطح، والمعاني تتلذذ بالاختباء وتستمتع بالمراوغة. إذا أراد القارئ ملاحقتها فيلزمه لذلك جهدًا مضاعفًا ولياقة عالية، ربما يضطر لأن يعيد قراءة النص مرتين وأكثر. ستنقص عدد الكتب التي يقرأها في السنة، سيحتاج لأوقات من الصمت بعد كل كتاب ليتأمل فيما يقوله، ربما سيعاني حالة من الحنين لتلك الأيام التي يقفز فيها من كتاب لآخر دون التقاط نفس بينهما.
هوامش:
تعليقات
إرسال تعليق