التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الباغ .. كيف تذوب في الكلمة؟


لا أدري كيف يكتب مثل هذا النوع من الروايات؛ أهو ضرب من السحر؟ أم أن الكاتب ينتزع جزءًا من قلبه ويعتصر منه حبر الكلمات، وليس يعلم القارئ حين يشتبك معها إنما هو يلامس جزءًا من قلب الكاتب وروحه. وعندما أقول ذلك فأنا أعنيه حقيقة ولا أقصد الجانب المجازي فيه. فتجربتي مع رواية " الباغ " كانت تجربة نادرًا ما أعايش مثلها وقت القراءة، بل لم أعايش مثل هذه التجربة من قبل مع كاتب عربي إلا مع رواية " وحدها شجرة الرمان " للكاتب العراقي سنان أنطون. لا أعرف كيف أصف ذلك، قد أقول عن هذه الرواية أنها " حياة " بكل ما تحمله الكلمة من ثقل وأبعاد. منذ الصفحة الأولى تشعر وكأن جدتك تضع يدها في يدك، تأسرك بتجاعيدها، تهطل من عينها دمعة، ثم تبدأ القص .. تحملك على كتف الكلمة معها، وتعيدك إلى ماضيها. في هذه اللحظة التي تسلم نفسك فيها ليد الحكاية، تصبح سجينها؛ لا تمتلك إلا أن تبكي حين تبكي، وتضحك حين تضحك، وتغضب إذا ما ذكرت موقفًا أغضبها .. وهكذا يذوب وجدانك في حروفها.
هذا ما شعرت به أثناء قراءتي للباغ، وهذا ما حذرت منه الكاتبة في صفحتها الأولى وظلت تكرره وتذكرك به طوال الرواية؛ هل أنت مصر على خوض هذه التجربة؟ إذن: " يا نوصل رباعة يا يشيلنا الوادي رباعة ". وإن وافقت فإنك تقيد نفسك بها كما قيدت " ريا " نفسها بأخيها " راشد " وتبدأ الرحلة .. رحلة تخوض فيها غمار رواية من الأدب العالمي الرفيع. عالم مصاغ بحرفية مبهرة، القصة المحبوكة بمهارة، وما وراء القصة من عمق وبعد فلسفي ووجودي.
لقد تعمدت أن أبدأ هذه المراجعة بلغة المشاعر بعيدًا عن أدوات النقد وتفكيك المحاور السردية فيها من زمان ومكان وشخوص وغيرها. وذلك لم يأت اعتباطًا، بل جاء نتاج فكرة قديمة راودتني كثيرًا أثناء بحثي في النقد الأدبي، وبانت لي هذه الفكرة واضحة بعدما فرغت من قراءة الباغ.
ما أظنه هو أن الرواية - أو النص الأدبي بشكل عام -  كيان متكامل كالإنسان. فأي إنسان حين تضعه تحت منظار التحليل والدراسة، وتحاول جاهدًا أن تغطي كافة جوانب وجوده من جسد وأفكار وبناء نفسي وتجارب اجتماعية وسياق تاريخي .. إلخ، ومهما سعيت أن تكون موضوعيًا في تحليلك له، ومهما كانت أداوتك العلمية محكمة، إلا أنك بذلك تكون قد جردته من إنسانيته وجعلت منه " مادة دراسية "  لا أكثر. وبالجانب الآخر من المثال نفسه؛ مهما كان المتلقي واعيًا ومدركًا لتفاصيل تحليلك لذلك " الشخص الآخر "، فإن الصورة التي ستتكون عنده ليست إلا صورة مشوهة لمادة خضعت لتجاربك الشخصية. وقد يحصل أن يلتقي هذا " المتلقي " بذلك " الشخص " ويدرك أن من يجلس معه مختلف تمام الاختلاف عن الصورة التي كونها عنه بناء على دراستك وتحليلاتك.
أتجرأ أن أقول إن الرواية من هذا المنظور تمتلك ذاتًا معقدة كالذات الفردية لكل إنسان. وما إن نخضعها لمشرط النقد حتى تفقد روحها ولا تعدو أكثر من جسد مشرح لأغراض الدراسة والتحليل. ولذلك أعتقد أن أفضل قراءة للرواية هي القراءة بحب، القراءة من روح إلى روح. تقرأها كما تصغي لحبيبك الممدد على فراش الموت وأنت تعلم أن هذا آخر ما ستسمعه منه. لا أن تقرأها متسلحًا بسيوف النقد ومدققًا كالصقر تبحث عن خطأ هنا وزلة هناك حتى تكشف عما في أمعائها. حتى ولو كنت ممن يبحث عن المعنى؛ صدقني، إن كان هناك معنى، فالمعنى كامن بالروح ولم يتواجد قط في الأحشاء.

في الختام، أوجه شكرًا جزيلًا للأستاذة بشرى خلفان على هذا الجمال الذي خلقته. شكرًا على هذه الرواية العظيمة التي أسرتني تمامًا وتركت أثرًا في روحي كما تركه من قبلها كتاب عظام كأمبرتو أيكو وسراماغو.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف نبدع أفكارًا مستحيلة في أدب الطفل؟

  يسأل الكثير عن آليات كتابة أدب الطفل، والسؤال الأهم دائمًا: ما هي الأفكار المناسبة لنكتب عنها قصصًا وننشرها؟ الموضوع في غاية السهولة؛ إذا كان لديك أطفال في المنزل، أبناؤك أو أبناء أحد أقربائك، لاحظ تصرفاتهم باستمرار، ركز على سلوكياتهم السلبية؛ لا يغسل أسنانه، لا يطيع والديه، يفتعل الفتنة مع بقية الأطفال.. إلخ. فكر بعد ذلك في كيفية كتابة قصة لمعالجة هذا السلوك. اجمع هذه الأفكار كلها..   ولا تكتب أي شيء منها. دائمًا ما بدا لي أن النص بمجرد انزلاقه إلى الحالة التوجيهية للقارئ، يفقد كامل أدبيته. وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنني أطالب بتفريغ الأدب من الرسائل والقيم الإنسانية، لكنه لا يعني أيضًا أننا من أجل صناعة أدب رسالي هادف نحول النصوص إلى نصوص وعظية.  لا أذكر أين قرأت مرة أنه "ليس من وظيفة الأدب تقديم الإجابات، إنما فتح أبواب الأسئلة والتأملات". وهذا يصدق أيضًا على أدب الطفل، ومن المتوقع أن يكون الكاتب مدركًا لهذا المبدأ الأساسي الذي يشكل روح الأدب. إذن أين المشكلة؟ لماذا ينحو العديد من كُتاب أدب الطفل لأسلوب يسعى لفرض فكرة، أو تقويم سلوك من خلال بناء نصوص مغلقة تتجه...

من الكراهية .. إلى الكراهية

(قراءة في واقع الكراهية في المجتمع الكويتي تطبيقًا على دراسة د. نادر كاظم في كتابه "لماذا نكره") صدر منذ فترة قريبة لدكتور نادر كاظم كتاب بعنوان " لماذا نكره؟، أو كراهيات منفلتة مرة أخرى " عن دار سؤال. ولا يخفى أن مشكلة الكراهية التي يتطرق لها الكتاب مشكلة عسيرة ومعقدة تمتد جذورها في العديد من العلوم والتخصصات كعلم التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة وغيرها. إلا أن ورود لفظة " مرة أخرى " في العنوان الفرعي للكتاب، لفت انتباهي إلى أهمية البعد التاريخي للمشكلة. يقول الفيلسوف الألماني دلتاي: " ليس من خلال الاستبطان بل من خلال التاريخ وحده يتأتى لنا أن نفهم أنفسنا " إن مشكلة فهم الإنسان هي مشكلة استعادة ذلك الوعي بـ " تاريخية " وجودنا الخاص والذي ضاع بالمقولات السكونية للعلم. إننا نخبر الحياة لا في المقولات السببية بل في لحظات فريدة معقدة من " المعنى ". وهذه الوحدات من المعنى تتطلب سياقًا يضم الماضي ويضم أفق التوقعات المستقبلية؛ إنها زمانية في صميمها ومتناهية، ولا يتم فهمها إلا في ضوء هذه الأبعاد، أي لا يت...

سعود السنعوسي يحلق بأجنحة " حمام الدار "

أولًا وقبل كل شيء، أظن أنه على الراغب بكتابة مراجعة لرواية من مثل هذا النوع أن يكون حذرًا جدًا، ومن الأفضل أن يتحاشى نشر أي جهد تأويلي على الأقل في السنة الأولى من صدور الرواية. حيث أن هذه الرواية / الأحجية بنيت بشكل أساسي على تقنية الإضمار والكشف التدريجي للأفكار والأحداث والتلاعب بنفسية القارئ صفحة بعد صفحة، وأي تسريب لحدث أو معلومة قبل أوانها ستهدم على القارئ لذة هذا الكشف. وأي نشر لقراءة تأويلية قد يتدخل في توجيه تلقي القارئ للمعنى الذي بلغه كاتب المراجعة أو القراءة النقدية والتضييق من مساحة المعنى الأصلي للنص خصوصًا وأن النص كتب برمزيات عميقة ومرنة. ثانيًا، رواية " حمام الدار " تحتاج لقراءتين وثلاث وعشر .. وبعد،، يقول أمبرتو إيكو: " الكتًاب نوعان؛ كاتب يكتب لقارئ موجود، وكاتب يصنع قارءه الخاص ". وربما أكون متجاسرًا في فرض هذا القيد على الكاتب لكنني أظن أن سعود السنعوسي في رواية " حمام الدار " شرع فعليًا في صناعة قارئه الخاص. قارئ نموذجي صبور يتتبع أدوات الكاتب المستخدمة لبناء الفكرة والمعنى، لا يخوض النص محملًا بأي تصور مسبق حتى ولو ...