التخطي إلى المحتوى الرئيسي

توستماسترز أثينا


كان مما أفسد أثينا - قبل وأثناء عهد سقراط - انتشار السفسطة والسفسطائيين، تلك الظاهرة التي عززت أساليب الجدل والخطابة والتنظير في كل العلوم والمجالات استنادًا على مفاهيم نسبية المعرفة وأن " الإنسان مقياس كل شيء "، مما أنشأ مجتمعًا متحدثًا كالطبول، أصواتهم عالية لكنهم فارغين من الداخل.
اليوم تم إعادة بعث هذه المدرسة بطريقة ممنهجة تحت مسميات دورات إعداد القادة والمدربين، ودورات تنمية مهارات التواصل والخطابة وغيرها، هذه الدورات تهدف أساسًا إلى تنمية فصاحة الشخص وإسلوبه الحواري، وقدرته على سرعة بناء وتركيب الجملة، والبداهة في الحديث وتعزيز الثقة في النفس، ولا أحد ينكر أهمية هذه الجوانب للفرد وحاجته لها، لكن هذا كله لا يصنع شخصية حقيقية، إنما يصنع لسانًا تختفي وراءه الشخصية لتظهر صورة وهمية عنها ويختفي الإنسان الحقيقي الكامن وراءها.
عندما ننشئ إنسانًا يجيد التحدث بطلاقة ويفتقد أي قاعدة معرفية وأساس عقلي ثابت يستند إليه فإنما ننشئ جيلًا من الوهم، جيلًا من الطبول التي تحسن خلق الأصوات الفارغة من المعنى، تستر الخواء الفكري الراكد أسفل صخبها، وتغطي تناقضاتها ومغالطاتها بسحر الجمل المنمقة ولغة الجسد الواثقة، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي تفاقمت المشكلة حين أصبح لهذه الأصوات منابر ترتقيها وشاشات تطل منها وجوههم المتحركة دائما مصحوبة بتلويحات الأيدي الراقصة المتفاخرة بإجادة لغة الجسد، وأخيرًا تم تدعيم هذه الظاهرة بدعم مادي ممثل بالمبالغ التي يدفعها لهم الأشخاص والشركات مقابل دعاية أو إعلان تسويقي يقومون بنشره في حساباتهم الضاجة بالمتابعين الممتلئين بالفراغ أكثر منهم، وبهذه الحالة تكاملت الظاهرة ووصلت إلى ذروة نموها حتى صارت هي اللسان السائد المسيطر على الثقافة الإجتماعية المعاصرة، وأصبح هذا الخطاب الفارغ هو سيد الأحاديث انتشارًا في كافة مستويات المجتمع، من الحوارات الخاصة في المقاهي والدواوين مرورا بالمجالس الأدبية والثقافية إلى الخطابات السياسية.
يتم تشبيه مثل هذه الظواهر غالبًا بالفقاعات، حين تبلغ ذروتها تكون الخطوة التالية هي الإنفجار. لكن إنفجارها لا يشبه إنفجار الفقاعة أبدًا، ففي العادة تصاحبه أضرار جانبية كبيرة وخطرة، فهذه الآفة التي تبدأ بنهش الفرد لابد أن تنتهي بتدمير الجماعة، ويبدو أن اثينا ستسقط وسقراط لن يولد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف نبدع أفكارًا مستحيلة في أدب الطفل؟

  يسأل الكثير عن آليات كتابة أدب الطفل، والسؤال الأهم دائمًا: ما هي الأفكار المناسبة لنكتب عنها قصصًا وننشرها؟ الموضوع في غاية السهولة؛ إذا كان لديك أطفال في المنزل، أبناؤك أو أبناء أحد أقربائك، لاحظ تصرفاتهم باستمرار، ركز على سلوكياتهم السلبية؛ لا يغسل أسنانه، لا يطيع والديه، يفتعل الفتنة مع بقية الأطفال.. إلخ. فكر بعد ذلك في كيفية كتابة قصة لمعالجة هذا السلوك. اجمع هذه الأفكار كلها..   ولا تكتب أي شيء منها. دائمًا ما بدا لي أن النص بمجرد انزلاقه إلى الحالة التوجيهية للقارئ، يفقد كامل أدبيته. وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنني أطالب بتفريغ الأدب من الرسائل والقيم الإنسانية، لكنه لا يعني أيضًا أننا من أجل صناعة أدب رسالي هادف نحول النصوص إلى نصوص وعظية.  لا أذكر أين قرأت مرة أنه "ليس من وظيفة الأدب تقديم الإجابات، إنما فتح أبواب الأسئلة والتأملات". وهذا يصدق أيضًا على أدب الطفل، ومن المتوقع أن يكون الكاتب مدركًا لهذا المبدأ الأساسي الذي يشكل روح الأدب. إذن أين المشكلة؟ لماذا ينحو العديد من كُتاب أدب الطفل لأسلوب يسعى لفرض فكرة، أو تقويم سلوك من خلال بناء نصوص مغلقة تتجه...

من الكراهية .. إلى الكراهية

(قراءة في واقع الكراهية في المجتمع الكويتي تطبيقًا على دراسة د. نادر كاظم في كتابه "لماذا نكره") صدر منذ فترة قريبة لدكتور نادر كاظم كتاب بعنوان " لماذا نكره؟، أو كراهيات منفلتة مرة أخرى " عن دار سؤال. ولا يخفى أن مشكلة الكراهية التي يتطرق لها الكتاب مشكلة عسيرة ومعقدة تمتد جذورها في العديد من العلوم والتخصصات كعلم التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة وغيرها. إلا أن ورود لفظة " مرة أخرى " في العنوان الفرعي للكتاب، لفت انتباهي إلى أهمية البعد التاريخي للمشكلة. يقول الفيلسوف الألماني دلتاي: " ليس من خلال الاستبطان بل من خلال التاريخ وحده يتأتى لنا أن نفهم أنفسنا " إن مشكلة فهم الإنسان هي مشكلة استعادة ذلك الوعي بـ " تاريخية " وجودنا الخاص والذي ضاع بالمقولات السكونية للعلم. إننا نخبر الحياة لا في المقولات السببية بل في لحظات فريدة معقدة من " المعنى ". وهذه الوحدات من المعنى تتطلب سياقًا يضم الماضي ويضم أفق التوقعات المستقبلية؛ إنها زمانية في صميمها ومتناهية، ولا يتم فهمها إلا في ضوء هذه الأبعاد، أي لا يت...

سعود السنعوسي يحلق بأجنحة " حمام الدار "

أولًا وقبل كل شيء، أظن أنه على الراغب بكتابة مراجعة لرواية من مثل هذا النوع أن يكون حذرًا جدًا، ومن الأفضل أن يتحاشى نشر أي جهد تأويلي على الأقل في السنة الأولى من صدور الرواية. حيث أن هذه الرواية / الأحجية بنيت بشكل أساسي على تقنية الإضمار والكشف التدريجي للأفكار والأحداث والتلاعب بنفسية القارئ صفحة بعد صفحة، وأي تسريب لحدث أو معلومة قبل أوانها ستهدم على القارئ لذة هذا الكشف. وأي نشر لقراءة تأويلية قد يتدخل في توجيه تلقي القارئ للمعنى الذي بلغه كاتب المراجعة أو القراءة النقدية والتضييق من مساحة المعنى الأصلي للنص خصوصًا وأن النص كتب برمزيات عميقة ومرنة. ثانيًا، رواية " حمام الدار " تحتاج لقراءتين وثلاث وعشر .. وبعد،، يقول أمبرتو إيكو: " الكتًاب نوعان؛ كاتب يكتب لقارئ موجود، وكاتب يصنع قارءه الخاص ". وربما أكون متجاسرًا في فرض هذا القيد على الكاتب لكنني أظن أن سعود السنعوسي في رواية " حمام الدار " شرع فعليًا في صناعة قارئه الخاص. قارئ نموذجي صبور يتتبع أدوات الكاتب المستخدمة لبناء الفكرة والمعنى، لا يخوض النص محملًا بأي تصور مسبق حتى ولو ...